مجتمع

«أكثر من أقلية، أقل من مواطنين» محاولة لفهم تفجر الملف الدرزي في سوريا

كيف سعت إسرائيل إلى استغلال دروز سوريا حليفًا استراتيجيًا؟ ولماذا فشلت الحلول الأمنية البعثية في خلق هوية جامعة؟

future تظاهر أفراد من الطائفة الدرزية عند السياج الحدودي الفاصل بين مرتفعات الجولان التي ضمتها إسرائيل وسوريا قرب مجدل شمس

بينما تقتل الفلسطينيين بالقصف والتجويع في قطاع غزة، كانت الحكومة الإسرائيلية تقود إدخال المساعدات الإنسانية من غذاء ودواء وسلاح إلى المدنيين والمسلحين الدروز المحاصرين في محافظة السويداء السورية. «لن نسمح للإرهابيين بتهديد المدنيين الدروز»، هكذا صرّح الرئيس الإسرائيلي.

في 23 ديسمبر 2025 نشرت صحيفة «واشنطن بوست» تقريرًا1 حول الجهود الإسرائيلية التي تنشط ضد الحكومة السورية الجديدة عبر مساعدة ميليشيات «المجلس العسكري في السويداء» الدرزية. أعاد هذا التقرير إلى الواجهة التحركات التي قادها حكمت الهجري لتقديم نفسه قائدًا دينيًا وسياسيًا لدولة الدروز المتخيلة منذ سقوط نظام بشار الأسد في نهاية عام 2024.

لكن هذا المقال لا يحاول ترديد السردية المباشرة المتداولة حول الهجري العميل أو الطائفة العميلة لإسرائيل، ولا ينتوي إعادة إنتاج نظرية المؤامرة الكونية ذاتها، بل يطمح إلى تتبع البنى الاجتماعية والجذور التاريخية البعيدة التي تفسر حقيقة الوضع الطائفي هناك.

تسارعت التطورات في جنوب سوريا طوال عام 2025؛ إذ رفض المسلحون الدروز أي مفاوضات حول تسليم السلاح للنظام الجديد، واستمر التصعيد منذ فبراير بعد ما اعتبره الدروز تهميشًا لهم في مؤتمر الحوار الوطني. ثم تعمق هذا الشرخ بتعيين القيادي الجهادي في «هيئة تحرير الشام» مصطفى البكور محافظًا لمنطقة السويداء ذات الغالبية الدرزية، دون تشاور مع القيادات المحلية، مما دفع المرجعية الروحية إلى إعلان القطيعة مع سلطة دمشق الانتقالية.

انفجار العنف

في ظل ذلك العداء والتحفز بين دمشق والسويداء، انفجر العنف في أواخر أبريل إثر تسجيل مسرّب منسوب لأحد رجال الدين الدروز تضمن إهانة للمعتقدات الإسلامية. حينئذٍ تجلى التدخل الإسرائيلي المباشر تحت ذريعة «حماية الدروز»؛ فشنت الطائرات الإسرائيلية غارات على مواقع عسكرية سورية، وبدأت عمليات إنزال جوي لأسلحة للميليشيات الدرزية الموالية لها. كما قدمت تل أبيب مبالغ مالية شهرية لنحو 3000 مقاتل درزي لضمان ولائهم.

وبعيدًا عن التصريحات الدعائية الإسرائيلية، لم يكن الهدف حماية المدنيين؛ فقد استغلت إسرائيل هذا التوتر لإضعاف قدرة دمشق على تثبيت سلطتها في الجنوب، وتعزيز حضور المجموعات الدرزية المسلحة لتستخدمها قوةً موازية للدولة تنمو مع الوقت لخلق منطقة عازلة (Buffer Zone) بين سوريا وهضبة الجولان المحتلة.

انتهت أحداث أبريل — صوريًا — باتفاق هش بين الحكومة والميليشيات، نصّ على دمج مقاتلين دروز في جهاز الأمن العام. وبلغت الأزمة ذروتها الدامية في يوليو 2025، عقب حادثة سطو على شاب درزي على طريق دمشق–السويداء، تطورت إلى مواجهة كبرى بين مسلحين دروز وعشائر بدوية متحالفة مع الحكومة، مع وقوع انتهاكات جسيمة بحق المدنيين من مختلف الأطراف؛ حيث وثّقت تقارير «العفو الدولية» وقوع إعدامات ميدانية في ساحات عامة ومنازل سكنية.

كانت الحادثة الأكثر صدمة ما جرى في «المستشفى الوطني بالسويداء»؛ حيث اقتحمت عناصر حكومية المرفق الطبي وقتلت جرحى وموظفين طبيين دروز. ورغم نفي دمشق مسؤولية قواتها، ناسبة الفعل إلى «عناصر متمردة»، فإن لقطات الكاميرات أظهرت مسلحين بشارات رسمية ينفذون عمليات القتل.

من جانبها، شكّلت الزعامة الروحية للدروز «اللجنة القانونية العليا» لإدارة شؤون المحافظة ذاتيًا، ورفضت في سبتمبر «خارطة طريق» برعاية دولية، معتبرة إياها محاولة للالتفاف على حقوق الجبل في تقرير مصيره، خاصة مع خلوها من أطر مرجعية لتقييد ما يرونه مناورات سياسية غير جادة من الحكومة الجديدة.

تصاعدت نيران الأزمة في أغسطس 2025 مع إعلان حكمت الهجري تشكيل «الحرس الوطني» قوةً عسكرية موحدة تحت إمرته، وهو ما انتقده القيادي الديني والسياسي البارز ليث البلعوس — وكان والده وحيد البلعوس قائد ميليشيا «رجال الكرامة» الدرزية التي نشطت في سنوات الثورة السورية الأولى — واصفًا إياه بمحاولة لاستنساخ «الحرس الثوري الإيراني» بصبغة درزية، ومحذرًا من أن الهجري يسعى إلى احتكار القرار العسكري والسياسي وتهميش باقي العائلات والمقاتلين. هذا الصراع «العائلي–الديني» على النفوذ زاد من حالة التشظي داخل المجتمع المحلي.

وأخيرًا، انتهى العام بفرض عزلة اقتصادية على السويداء، مما دفعها إلى تأسيس «صندوق الدعم والتنمية» لتمويل احتياجاتها الخدمية ذاتيًا، وسط استمرار حالة «الانفصال الفعلي» عن المركز.

تبدأ هذه الحكاية لا منذ سقوط النظام البعثي، بل منذ سيطرة الدروز على جبل حوران في القرن الثامن عشر بعد موجات نزوح من لبنان وحروب طويلة مع بدو المنطقة2 — وهو صراع انتهى بنجاح الدروز في فرض هيمنتهم على المنطقة، وإن لم ينجح في إقصاء المكونات الأخرى.

الدروز، كما يصفهم «الشاباك» الإسرائيلي:

«متضامنون تمامًا تجاه الخارج، مختلفون فيما بينهم أكثر من أي طائفة أخرى، والصراع شخصي وعائلي حول النفوذ».

هذا التضامن والتحرك ككتلة واحدة ذات طموح موحد لم يمنع بعض الزعامات الدرزية من تخطي خندق الأقلية نحو هوية سورية–عربية مشتركة؛ فقد رفض سلطان باشا الأطرش، الزعيم الدرزي البارز، مشروع الانتداب الفرنسي بإنشاء دولة درزية مستقلة، ودعا إلى الثورة من أجل وطن سوري موحد. في الوقت نفسه، رحّبت بعض الزعامات الدرزية الأخرى بالحكم الفرنسي ومشروع الدولة الدرزية المستقلة التي تضمن مكاسب اقتصادية واجتماعية للطائفة المعزولة3.

كان خليط النزعة الوطنية التحررية — التي ظهرت جلية في الثورة السورية الكبرى — والنزعة الأقلياتية الطامحة هو ما حدد مسار علاقة الدروز بدمشق حتى اليوم. ثمة أفكار وهواجس أساسية تسيطر على العقل الجمعي الدرزي، على رأسها الإحساس بالابتعاد عن سوريا كهوية موحدة جامعة؛ سواء كان هذا ابتعادًا نابعًا من أفكار دينية وطائفية، ومن إحساس باستحقاق الحكم المستقل، أو كان إبعادًا عمليًا بيد الأنظمة المتعاقبة التي رأت في الدروز منافسًا خطرًا على احتكار العنف والسلطة والهيمنة.

بعد استقلال سوريا عن الانتداب الفرنسي عام 1946، استمر هذا الصراع بين الرؤيتين؛ فمنذ تصدّر الزعامات الدينية (آل الهجري وآل الجربوع) المشهد بعد تراجع الزعامات التقليدية المرتبطة بالعائلات الإقطاعية (آل الأطرش وآل عامر)، وصعود الطبقات الوسطى الجديدة ذات الطموحات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المختلفة — وهو تحول نضج مع قوانين الإصلاح الزراعي في عهد حزب البعث وتكرّس خلال سنوات الثورة — أسهمت هذه التركيبة الجديدة في تنمية الاستعصاء السياسي وعجز الأنظمة المتلاحقة عن حلحلة الوضع الطائفي والقومي؛ فالمطالب لم تعد مرتبطة بتسويات اقتصادية فحسب، بل أصبحت تتعلق بهوية المناطق الدرزية ومكانتها في سوريا الجديدة.

كان انقسام مواقف الرموز والزعامات الدرزية من الثورة السورية مرآةً لصراع النفوذ داخل المجتمع الدرزي؛ فحكمت الهجري — الذي صعد فجأة إلى الزعامة الروحية بعد الوفاة الغامضة لأخيه المعارض لنظام الأسد — أعلن اصطفافه الحازم مع النظام ضد من أسماهم «الإرهابيين المدعومين دوليًا»، بينما تأرجحت مواقف عامة الزعامات الدرزية بين انتقاد ممارسات النظام السوري والدعوة إلى إصلاح اقتصادي وسياسي، وبين تأييد النظام في «حربه على الإرهاب».

هنا ظهر واضحًا النزاع بين الفكرة الوطنية والفكرة الأقلياتية في الممارسة السياسية الدرزية؛ فقد أكد مشايخ العقل الدروز عام 2013 أن المسلحين الدروز لن يقاتلوا في صفوف النظام خارج السويداء، لا في الخدمة العسكرية الإلزامية ولا كميليشيات معاونة للنظام، ربما بسبب إحساسهم بانفصال مصير الدروز عن مصير النظام والدولة السورية ككل.

برز هذا الموقف بوضوح مع ميليشيا وحيد البلعوس («رجال الكرامة») التي تشكلت للدفاع عن القرى الدرزية أمام هجمات مسلحي «جبهة النصرة». ورغم أن البلعوس لم يقاتل ضد نظام الأسد بشكل مباشر، فإنه اغتيل فجأة في نهاية عام 2015، وحُلّت ميليشياته بسبب قلق النظام من استقلالية قراره السياسي وتعالي اعتراضاته على الممارسات الأمنية، خاصة مع تقارير غير مؤكدة عن تلقيه تمويلًا وتسليحًا مكثفًا من دروز فلسطين المحتلة4.

مظاهرات السويداء

تمثل مظاهرات السويداء التي اندلعت بين عامي 2022 و2024 احتجاجًا على تردي الوضع الاقتصادي ذروةَ الانكسار في العقد الاجتماعي الذي حاولت سلطة حزب البعث فرضه لعقود؛ حيث تهاوت الشعارات الأيديولوجية حول «العروبة» و«حماية الأقليات» و«المساواة» أمام واقع التهميش الاقتصادي والقبضة الأمنية الدموية.

كان هذا الحراك تجليًا جديدًا للتذبذب التاريخي المزمن في الهوية الدرزية بين «النزعة الوطنية السورية» الطامحة إلى التغيير الشامل، و«النزعة الأقلياتية» التي تدفع نحو الانكفاء الجغرافي والبحث عن خصوصية سياسية وأمنية لأقلية مهددة ومهمشة لا تنال ما ترى أنها تستحقه من خصوصية واستقلال؛ لذلك ظل حراك السويداء محدودًا بنطاقه الجغرافي وسقف مطالبه المتواضع.

شكّل وصول أحمد الشرع إلى سدة الحكم في دمشق عام 2025 ذروة القلق الدرزي؛ فالمجتمع الدرزي لا ينظر إلى الحكومة الجديدة ككيان تكنوقراطي ناشئ، بل يستحضر تاريخها كجبهة نصرة نفذت انتهاكات ممنهجة ضد أبناء الطائفة، لعل أبرزها «مجزرة قلب لوزة»5 في إدلب عام 2015. وبالرغم من محاولات الشرع تقديم خطاب معتدل يركز على «الدولة المدنية» و«حماية الأقليات»، فإن الدروز ظلوا متوجسين من أن يكون هذا التغير مناورة سياسية للحصول على الشرعية الدولية.

عودةً إلى السياق الأوسع، ومع التغلغل الإسرائيلي الطويل لإعادة صياغة هوية دروز فلسطين6، سعت إسرائيل إلى استغلال دروز سوريا حليفًا استراتيجيًا، مستخدمة القيادات العسكرية الإسرائيلية الدرزية والصلات العائلية والشخصية الممتدة، خاصة مع تعمق الروابط بين الزعيم الروحي لدروز فلسطين موفق طريف ونظيره السوري الطموح حكمت الهجري.

ومع ذلك كله، فإن دولة درزية في تلك المنطقة ستكون معزولة إقليميًا ودوليًا، شحيحة الموارد، ما يجعلها عبئًا على تل أبيب. وقد تردد ذلك في عدة تقارير أمنية إسرائيلية تُظهر رفض جيش الدفاع الإسرائيلي لهذه الدولة؛ لأنها تلزمه بحماية مناطق تبعد عن حدوده مئات الكيلومترات. لكن استغلال المخاوف الدرزية وأوهام الاستقلال والهوية ساعد إسرائيل في بسط سيطرتها على مناطق توغلها في محافظة القنيطرة السورية في أواخر عام 2024.

تكشف هذه الأزمة عن فساد مستشرٍ في مفهوم الهوية الوطنية السورية، وفشل ذريع في صياغة هوية وطنية جامعة في سوريا ما بعد الأسد؛ فسادٌ يمتد ليشمل العلويين والأكراد وغيرهم من المكونات الأقلياتية في الطيف السوري. لقد فشلت الحلول الأمنية البعثية في خلق هوية جامعة، كما أثبتت أوهام صناعة هوية مفروضة أنها غير عملية ولا فعالة.

والكرة الآن في ملعب الحكومة السورية الجديدة: إما أن تنجح في احتضان الدروز كمكوّن سوري له فرادته وحساسيته، ضمن سياسة جادة لخلق سوريا للجميع تتخطى هتافات «العلوي عَ التابوت والمسيحي عَ بيروت»، وإما أن تسلّمهم لحكمت الهجري والصهيونية لتستخدمهم وقودًا لمطامعها التي لا تنتهي في الثروات والجسد والدم العربي، وتسلم الوطن السوري بأسره إلى التقسيم والحرب الأهلية الطائفية التي لا تنطفئ نيرانها ولا ينجو منها أحد.

top-ads

# منحة محمد أبوالغيط 2026

نقلا عن الباحث المختص بالدراسات الأمنية أحمد مولانا
فلاحو سوريا - حنا بطاطو ص46
لدراسة موسعة حول هذا التغلغل انظر "دروز في زمن الغفلة -قيس فرو"
في صحبة «كوكب الشرق».. «الست» التي لا يعرفها مراد
خديعةُ الهدوء: عن اغتيال عيون الحقيقة في غزة 2025
السينما كشهادة في «صوت هند رجب»

مجتمع